في 27 سبتمبر 1908، اكتملت صناعة Model T رقم 1 في مصنع فورد بشارع بيكيت في ديترويت. لم تكن السيارة الأولى في العالم ولا أول طراز لهنري فورد، لكنها دشنت تجربة واسعة لصناعة سيارات ميسورة الثمن والإنتاج على نطاق كبير.

في مطلع القرن العشرين، ظلت السيارات رفاهية باهظة وصعبة التشغيل والصيانة. أراد فورد سيارة للعائلات العادية، تتسع للأسرة ويسهل قيادتها وإصلاحها ويمكن لشخص يتقاضى أجراً معتدلاً شراءها. وبلغ سعر الطرازات الأولى نحو 850 دولاراً، وهو مبلغ كبير آنذاك.

جاء التحول الأهم من داخل المصنع. ففي 1913، أدخل فورد خط التجميع المتحرك في مصنع هايلاند بارك؛ فلم يعد العمال يتحركون حول السيارة، بل تحركت السيارة أمامهم، ونفذ كل عامل مهمة محددة ومتكررة. وانخفض زمن تجميع هيكل Model T من أكثر من 12 ساعة إلى نحو 90 دقيقة. ومع زيادة الإنتاج هبط السعر في نهاية المطاف إلى أقل من 300 دولار.

وفي يناير 1914، أعلن فورد أجراً يومياً قدره خمسة دولارات للموظفين المستوفين للشروط، أي نحو ضعف الأجر الصناعي المعتاد. ساعد القرار على الحد من ترك العمال لوظائفهم الشاقة والمتكررة في خط التجميع، وعلى الاحتفاظ بالقوى العاملة اللازمة للإنتاج الكبير. كما عزز فكرة أن العامل يمكن أن يصبح مستهلكاً للسلع التي يصنعها.

ارتفع الإنتاج من أكثر بقليل من 10 آلاف سيارة Model T في 1909 إلى أكثر من نصف مليون في 1915. وبحلول 1921، مثل الطراز قرابة 57% من إنتاج السيارات العالمي. وعندما توقف إنتاجه في 1927، كان قد صُنع أكثر من 15 مليوناً. وغيرت السيارة الحياة اليومية في الولايات المتحدة، وأسهمت في انتشار الطرق ومحطات الوقود والورش والضواحي، فيما انتشر نموذج فورد القائم على توحيد القطع وخفض كلفة الوحدة إلى صناعات أخرى.

وكان للنموذج ثمن أيضاً؛ فالعمل على خط التجميع متكرر ومقاس زمنياً وخاضع لرقابة صارمة. بل درس قسم علم الاجتماع في فورد الحياة الخاصة لبعض العاملين الراغبين في الاستفادة من الأجر الكامل. وهكذا تجاوزت الفورديّة كونها أسلوباً للإنتاج، لتصبح رمزاً لمقايضة الأجر الأعلى وإمكانية شراء السلع بالانضباط والتكيف مع سرعة الآلة. لم يخترع فورد السيارة أو خط التجميع، لكنه جمع توحيد القطع والسرعة والإنتاج واسع النطاق في نظام غيّر الرأسمالية الصناعية الأميركية.