في اجتماع رئاسي عُقد مؤخرًا برئاسة الفريق إبراهيم جابر، قررت السلطات السودانية وضع خطة جديدة لتغيير العملة واستبدالها بإزالة الأصفار، في محاولة لتقليل حجم النقد المتداول وتسهيل التعاملات.

تُعيد هذه الخطوة إلى الذاكرة محاولات سابقة؛ ففي عام 1992 استُبدل الجنيه السوداني بالدينار، ثم في 2007 أُعيد إصدار «الجنيه الجديد» بعد حذف ما يعادل ثلاثة أصفار من الجنيه القديم، إلا أن الأصفار عادت لتتضاعف لاحقًا بسبب عدم معالجة جذور المشكلة.

يُلاحظ أن القرار الحالي يأتي قبل إكمال عملية الاستبدال التي بدأت في السابق، وقد تم تبريره آنذاك بضرورة «ضرب السيولة التي تكدسها المليشيات وإفقادها أي قيمة»، في محاولة للحد من تمويل الجماعات المسلحة.

في مايو الماضي، أصدر بنك السودان المركزي بيانًا مدد فيه سريان العملات القديمة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، ما أدى إلى انتعاش سوق تلك العملات في نيالا ومحيطها، وأكد للتجار أن هذه الأوراق ما زالت «مبرئة للذمة»، مما حافظ على قيمة أموال المليشيات على حساب سيادة الدولة النقدية.

تُغلف الخطوة الآن بشعارات متعددة مثل «تحصين الاقتصاد»، «مكافحة التزوير»، «ضبط الكتلة النقدية» و«التحول الرقمي». إلا أن تطبيق منصة «بنكك» التي تُفترض أن تكون واجهة التحول الرقمي يواجه مشاكل تقنية تجعل المواطنين يعانون من عرقلة في تحويل الأموال وتعطل الخدمات.

إزالة الأصفار لا تُعيد قيمة الجنيه؛ فهي مجرد تعديل في طريقة كتابة الأرقام. فمثلاً، الدولار الذي كان يساوي 8,000 جنيه سيصبح سعره 8 جنيهات جديدة إذا حُذفت ثلاثة أصفار، لكن الرواتب، المدخرات والأسعار تُقسم على ألف أيضًا، ولا ينتج عن ذلك تحسين في القوة الشرائية.

تكلفة العملية تشمل طباعة وتوزيع النقود في بلد ممزق، إلى جانب ارتباك التجار الذين يستغلون الفجوة لتقريب الأسعار صعودًا، وتفاقم وجود سوقين وعملتين متوازيتين يزيدان الانقسام النقدي بين مناطق الحكومة ودعم السرعة.

تُعزى الأزمات المستمرة إلى اختلالات بنيوية تراكمت منذ أواخر السبعينيات، إلى جانب ضغوط ميزان المدفوعات، الإنفاق العسكري، القروض والاتفاقيات المالية ذات الطابع السياسي، فضلاً عن تهريب الذهب. دون معالجة هذه العوامل، لا يُتوقع أن تُعيد عملية حذف الأصفار استقرارًا حقيقيًا للعملة.

وبينما تستمر الحرب وتستمر العجوزات في تمويلها عبر الطباعة والتهريب، فإن الأصفار التي تُحذف اليوم قد تعود للظهور مرة أخرى، وربما بسرعة أكبر، ما يجعل من الضروري التركيز على إصلاحات اقتصادية أعمق وإنهاء الصراع قبل أن تُعيد أي تعديل نقدي قيمته.