في دراسة بعنوان «الرئيس الصيني في واشنطن: تنافس اقتصادي في ظل غياب ثقة إستراتيجي» صاغها الاقتصادي الأردني إبراهيم سيف، يُوصف العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم بأنها «اعتمادية متبادلة تنافسية»، حيث تمثل الصين والولايات المتحدة معاً أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتتشابك أسواقهما واستثماراتهما وسلاسل إمدادهما، لكن هذا الترابط يرافقه صراع على القوة والنفوذ.
تشير الدراسة إلى أن التنافس الاقتصادي اتسع مع عودة دونالد ترمب إلى الرئاسة في بداية 2025، حيث تبنت إدارته نهج «التعاملات» بدلاً من الالتزامات التقليدية، ما أدى إلى انسحاب واشنطن من عدد من المنظمات الدولية واتفاقية باريس للمناخ، وزيادة الاعتماد على العقوبات والتعريفات الجمركية لتفكيك قواعد النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود.
تُظهر الأرقام أن العجز التجاري الأمريكي مع الصين انخفض من 382 مليار دولار في 2022 إلى نحو 202 مليار دولار في 2025، بينما تراجعت الواردات الأمريكية من الصين من 536 مليار إلى 308 مليار دولار خلال نفس الفترة. إلا أن الدراسة توضح أن هذا الانخفاض يعود إلى تراجع الواردات وليس إلى ارتفاع الصادرات الأمريكية إلى الصين، مع تحول جزء من التدفقات إلى دول آسيوية أخرى مثل فيتنام.
في ملف الزراعة، التزمت الصين بشراء ما لا يقل عن 25 مليون طن من فول الصويا الأمريكي سنوياً حتى 2028، بالإضافة إلى منتجات زراعية أخرى بقيمة لا تقل عن 17 مليار دولار سنوياً. ومع ذلك، بحلول أغسطس 2026 لم تُنفذ الصين سوى نحو ربع هذا الالتزام، ما يجعل المشتريات الزراعية أداة ضغط في مفاوضات شي مع ترمب.
المعادن النادرة تشكل ساحة أخرى للتنافس؛ فالولايات المتحدة تسعى لتوسيع إمداداتها من الصين إلى الأسواق الأمريكية بينما تعمل على تقليل اعتمادها على بكين عبر البحث عن مصادر بديلة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتُظهر الدراسة أن واشنطن لا تزال بحاجة إلى الإمدادات الصينية في المدى القصير، لكن تفكيك الاعتماد سيستغرق سنوات بسبب هيمنة الصين على هذا القطاع.
تُضيف الدراسة بُعداً جيوسياسياً إلى الصراع عبر إغلاق مضيق هرمز في مارس 2026 وفرض حصار بحري أمريكي، ما عرقل حركة ناقلات النفط. وتعتمد الصين على ما يقرب من 42% من احتياجاتها النفطية من دول الشرق الأوسط، وتستورد عبر هرمز نحو 45‑50% من وارداتها النفطية. إلا أن الصين تحتفظ باحتياطي استراتيجي يكفي 120 يوماً من صافي الواردات النفطية و46 مليون برميل من الخام الإيراني في مخزونات عائمة.
في ساحة التكنولوجيا، شددت واشنطن قيودها على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين لتقليل تقدم بكين في الذكاء الاصطناعي العسكري، بينما تصف بكين هذه القيود بأنها محاولة أمريكية لمنع تحولها إلى قوة صناعية وتكنولوجية منافسة. وتستمر حملة الولايات المتحدة على شركة هواوي ضمن هذا الإطار، مع توجيه تحذيرات حول مخاطر الأمن السيبراني.
تُظهر الدراسة أيضاً تراجع حيازة الصين لسندات الخزانة الأمريكية من ذروتها التي بلغت 1.32 تريليون دولار في نوفمبر 2013 إلى 688.7 مليار دولار في أكتوبر 2025، مع بيع نحو 41 مليار دولار من السندات في مارس 2026 وحده، في ظل مخاوف من ارتفاع الدين الأمريكي وتداعيات السياسة النقدية. في الوقت نفسه ارتفعت احتياطيات الذهب الصينية إلى 74.12 مليون أونصة.
تُختتم الدراسة بتأكيد أن أي تهدئة تجارية بين واشنطن وبكين لن تُنهي الصراع على طرق التجارة والربط العالمي، بل سيُعيد توجيه المنافسة إلى ساحات جديدة مثل أفريقيا، حيث تسعى الصين من خلال مبادرة «الحزام والطريق» إلى توسيع حضورها في البنية التحتية، بينما تحاول الولايات المتحدة تعزيز شراكاتها الاستثمارية في القارة لكن تواجه فجوة تراكمت على مدى عقدين.